محمد ابراهيم شادي
23
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
المبحث الثالث جهات تميز القرآن عند الباقلاني يبدو أن الباقلاني ( ت 403 ه ) التقى م الرماني ( ت 386 ه ) والخطابي ( ت 388 ) في جزء من الزمن ، لكن حبل العمر امتد للباقلاني بعدهما بما يقرب من خمس عشرة سنة ، ويغلب على الظن أن الرماني والخطابي سبقا إلى كتابة ما كتباه عن الإعجاز ، وأن الباقلاني أتيح له أن يقرأ ما تركاه قراءة جيدة وكان لهذا الرجل قدرة على أن يستوعب ويتمثل وأن يضيف الجديد ، لكن ليس بالدرجة التي تجعله كعبد القاهر ، إذ أن قارئ إعجاز القرآن للباقلاني لا يصعب عليه أن يرد أكثر أفكاره إلى الرماني والخطابي وإن اجتهد الباقلاني في التفصيل الكاشف الذي يزيل الغموض عن كثير من أفكار سابقيه . على أن مما يذكر للباقلاني في مجال البحث عن الإعجاز هو شدة إيمانه بمنهج البحث عن التميز وعلو نبرته في كل فكرة من الأفكار التي عرضها إذ كان يقابل كل وجه من وجوه الإعجاز التي ذكرها بنظيره في كلام العرب حتى يتبين مدى التفاوت بينهما ، ثم تبلور ذلك عنده في تلك الموازنة التي اشتهر بها وتميز فيها بالنظرة الشاملة من خلال الاستشهاد بالنص الكامل . والباقلاني وإن ذكر الأمور الغيبية من وجوه الإعجاز في القرآن فإنه أبدى تحفظه على القول بذلك قولا مطلقا « 1 » ؛ لأن القرآن ليس مما ينفرد بالمغيبات ففي الكتب السابقة إخبار عما مضى وما سيأتي بدليل القرآن ذاته في قوله تعالى ( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ . . ) [ الأعراف : 157 ] . كأن الباقلاني لا يعوّل على الأمور الغيبية في الإعجاز وإن عدها من وجوهه ، لكنه بفكره الدقيق يرى أن الغيوب وقصص الأولين يمكن القطع بكونها من الإعجاز عند النظر إليها من زاويتين :
--> ( 1 ) لعل الباقلاني يقف بهذا موقف وسطا بين الرماني الذي عد المغيبات من الإعجاز . وتوقف الخطابي لعدم وجود المغيبات في كل سورة مع أن كل سورة معجزة بنفسها .